ابن الجوزي
50
صيد الخاطر
أصعب التكاليف وأعجبها ، انه قد ثبتت حكمة الخالق عند العقل ، ثم تراه يفقر المتشاغل بالعلم ، المقبل على العبادة حتى يعضّه الفقر بناجذيه ، فيذلّ للجاهل في طلب القوت ، ويغني الفاسق مع الجهل ، حتى تفيض الدنيا عليه ، وتراه ينشئ الأجسام ويحكمها ، ثم ينقض بناء الشباب في مبدأ أمره ، وعند استكمال بنائه فإذا به قد عاد هشيما ، وتراه يؤلم الأطفال ، حتى يرحمهم كل طبع ، ثم يقال له : « إياك أن تشك في أنه أرحم الراحمين » ، ويسمع بارسال موسى إلى فرعون ، ويقال له : اعتقد ان اللّه تعالى أضل فرعون ، واعلم أنه ما كان لآدم بدّ من أكل الشجرة ، وقد وبخ بقوله : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ » وفي مثل هذه الأشياء تحير خلق ، حتى خرجوا إلى الكفر والتكذيب ، ولو فتشوا على سر هذه الأشياء لعلموا أن تسليم هذه الأمور ، تكليف العقل ليذعن ، وهذا أصل إذا فهم حصل منه السلامة والتسليم . نسأل اللّه عز وجل أن يكشف لنا الغوامض ، التي حيرت من ضل إنه قريب مجيب . 14 - قيمة الوقت ينبغي للانسان أن يعرف شرف زمانه ، وقدر وقته ، فلا يضيع منه لحظة في غير قربه ، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل . ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور ، بما لا يعجز عنه البدن من العمل ، كما جاء في الحديث : نية المؤمن خير من عمله « 1 » . وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات . فنقل عن عامر بن عبد قيس « 2 » : ان رجلا قال له : « كلمني » فقال له : « امسك الشمس » وقال ابن ثابت البناني « 3 » : ذهبت ألقن أبي ، فقال : « يا بني دعني ، فاني في وردي السادس » . ودخلوا على بعض السلف عند موته ، وهو يصلي ، فقيل له ، فقال : « الآن تطوى صحيفتي » . فإذا علم الانسان وإن بالغ في الجد بأن الموت يقطعه عن العمل ، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته ، فإن كان له شيء في الدنيا ، وقف وقفا ، وغرس غرسا ، وأجرى نهرا ، ويسعى في تحصيل ذرية تذكر اللّه بعده ، فيكون الأجر له ،
--> ( 1 ) في الجامع الصغير : رواه الطبراني ، وضعفه العراقي . ( 2 ) عامر بن عبد اللّه من عباد التابعين أخذ عن أبي موسى الأشعري توفي سنة 55 . ( 3 ) ثابت البناني من أعلام التابعين توفي سنة 127 .